في لحظة تأمل عميقة حول جذور كلمة “إيثار” والتي هي في صميم النموذج النيوكارزمية Neocharismatic Ethical Leadership الأخلاقي، ظهرت لي مشتقات الجذور من “أثر” و “تأثير”. وكعادتي في التأمل في المعاني وجدت الروابط بينها عظيمة ولها صدى في القرآن معجزة الإسلام المحفوظة بلغتنا ما تحدثناها وكتبنا بها. وأحببت أن أشارك القراء في هذه الانطباعات.
الأثر
ففي سياق الماديات (تصورك الضيق في سرداب وجودك الجسمي) يعرف الأثر بطبعة تتركها في مكان سرت أو مررت به، قالت الأعرابية ( الأثر يدل على المسير والبعر يدل على البعير). وهذا أول المدارك للأثر، وهو الفهم البسيط لأي مخلوق يسير على وجه الأرض يتقفى أثر مخلوق آخر. فالكلب مثلا يشم الأثر، والانسان يتبع الأثر ليعرف من مرّ ومنه علم الفراسة والاقتفاء للأثر والذي استأثر به العرب وفاقوا على غيرهم ولا زالوا. ومنه تقفي أثر المجرم في العلوم الجنائية حيث دخلت علوم الفيزياء التجريبية والكيمياء العضوية في تحليل البصمة والدم وكل ما يسقط من الانسان والمخلوقات الأخرى من شعر وجلد وملابس أو ما يحمله أو يتركه خلفه عالقا في البيئة.
ولكن هل ستحصر نفسك على أبسط الدلالات أم تتعمق لتعرف أكثر وتفهم وتدرك وتحلل وتبدع؟
استمر الأعرابية (على بساطتها) فترقت فوق الحيوانات والمرئيات والمحسوسات بقولها: (أرض ذات فجاج…) وقبل أن تكمل، أوقفتها لأحلل كلامها وأعيد ترتيبه على اسماعكم وسمعي قبلكم في وقفة طويلة من التأمل. في سياق أوسع مما يظهر لي ولك في المكان، ولكن أظلّ وتطلّ معي محصورا فيه بما تعرفه مما ورد إليك من علوم الجغرافيا والجيولوجيا والبيولوجيا لمن سار في تلك الأماكن والآثار لمن مات وترك هيكله العظمي في واد من الاودية تحت الثرى. هذا التصور الأوسع المحدود بالزمان والمكان مهم، ولكن يظل في عالم المحسوسات. سياق الأرض بما غاب عنك فيها من جسام عظام كالجبال والأودية والانهار، يتجسد في “أرض ذات فجاج”.
تقول في نفسك ما أروع هذه الأعرابية ببساطتها. طبعا هي تعيش في الصحراء فتشهد بحواسها كل تلك الأماكن والبقاع. وإذا مشت ترى الأودية وإذا صعدت الجبال والتلال ترى ما لا تراه في القاع. بل وصلت للبحر والنهر. وإذا مات ميتها نبشت الأرض لتدفنه وأزاحت عظام من قبله، فلم العجب من كلامها وهو مشهود؟؟
هل تحب أن تتوسع باستشراف المكان؟ أظن أني أحب أن أفعل ذلك معك.
الاستشراف
وإذا بالأعرابية تفاجئني بقولها “وسماء ذات أبراج”! فإذا بها تدخل عالما لا أعرف عنه الا القليل، ولكنها تعرفه أكثر مني لأنها تستدل به على طريقها في الأرض. ففي سياق الكون والفضاء أنا وأنت وهي كائنات مجهرية، غاب عنا مادة الكون وأصله وحقيقته إلا من تخرصات وافتراضات حسابية تتطلب أدوات وإسطرلابات أمضى فيها أباؤنا الأولين عمرهم ونحن نلعب بها في المتاحف ونصفق لأنفسنا على فشلنا الذريع أن نأتي بما أتوا به وورثوه للعالم ونحن في سباتنا غافلون. فإذا بها على أميتها وجهلها لمعادلات حسابية دقيقة تخرج بنا من ضيق تصور المحسوس لعالم يصعب تصوره بدون مراصد. ولكنها تقول: “سماء ذات أبراج”.
ثم ماذا؟ هل تظن أنها وقفت عند ذلك واستسلمت لما هو صعب بعيد المنال والادراك؟ لا لم تقف، بل استمرت في الاستشراف لما هو أعظم من أن يرى ويلمس أو يتصور أو يخطر على بال بشر. فهل ترغب أن تستمر وتعرف عن جهلك العميق وأداركك الضيق (مثلي) عندما تخفى عليك الأمور وينتابك الذعر والضيق؟
الايمان بالغيب
ببساطتها تلك الإعرابية استنتجت ما عجز عنه علماء الفيزياء والفضاء والعلوم المحسوسة من كبار البروفيسورات في أحسن الجامعات، فقالت (إلا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير)؟ وبذا تحقق الأثر، في غيب لا يرى ولا يسمع ولا يعرف إلا بأثر مدرك وغير محسوس. هل تحب أن تقف هنا وتتأمل؟ افعل إن شئت، ولكن للحديث تمام. فهي وصفت الغيب بأوصاف تفوق الإدراك العادي والاعتراف البسيط بوجود إله. انتقلت واختزلت وتعدت بكلمات عربية معجزة في صيغتها ومضمونها. فقالت “اللطيف الخبير”.
اللطف خفي لا يرى ولا تدركه الحواس ولكنه يقع في النفس احساسا وإدراكا لأفعال لا يمكن وصفها بعلم ولا حقائق وتنم عن (الخبير) وليس (العليم) فالخبير يشمل العليم ولا يقع بدونه ، ويشير إلى تناول الفعل بمهارة بالغة ودقة متناهية واتقان لا مثيل له. فماذا نتعلم عن الأثر من مقولة إعرابية لا تقرأ ولا تكتب؟
دروس مستفادة للقيادة
- أنّ الأثر هو نتيجة لأنّه فعل بالغ الاتقان يقوم به خبير يدرك الأمور بلطف وخفاء ورحمة ودقة بالغة. فإذا أتينا للإيثار، وجدنا فعلا بشريا يجسد معاني اللطف ويذهب بكل أدوار القيادة السلوكية إلى أسفل سافلين ما لم يتحقق فيها الإيثار. الإيثار هو قمة التأثير (الفعل) وبدون لا يقع أي تأثير ولا يترك القائد أي أثر. وكأنّه لم يكن.
- الإيثار هو الطريقة الوحيدة البشرية للتأثير وترك الأثر. لأننا كبشر لا نملك من اللطف ولا الخبرة ولا العلم المسبق ولا الحكمة ولا تلك المعاني الراقية في مصاعد الكمال إلا ما سمح به اللطيف الخبير بأن ندركه. فالبشر القائد لا يقود بها إلا من ندر، وإنما أوتي فقط القدرة على الإيثار مع تفاوته بين شخص وآخر.
- لن تستطيع أن تترك أثرا أو تؤثر مالم تكن قادرا أولاً على التأثير في ذاتك بفكرك وعقلك، وروحك وجسدك وقلبك. ولأن التأثير مطلب أساسي للقيادة، لابد أن تتمكن من الوعي بذاتك لكي تؤثر فيها، فكيف تؤثر في شيء لا تعرف عنه شيء؟
التأثّر والتأثير
القيادة للآخر أساسية في كل ما نقوم به وروحها التأثير وترك الأثر. الوعي بالذات يتضمن إدراك فوري لما يدور فيها من معتقدات خفية وأهمها تلك المنبوذة والتي وصفها الرسول ﷺ بالشرك الخفي وهي الرياء والتي تعترض كل محادثة وحركة وسلوك تسلكه في كل حين لأنها تأتي من رغبتك في حظ نفسك فوق حظ غيرك من المنفعة وهو ضد الايثار ويسمى باليونانية الايغو أو الذات. الذات تحتاج منك أن تتعرف عليها جيدا وما تخفيه عنك من اعتقادات وتصورات وما يصدر عن ذلك من مشاعر وقيم محركة للاختيارات. وينظم ذلك كله الهوية الخاصة بك والتي اكتسبتها بدون تفكير فيها ولا تأمل في كينونيتك. وذلك كله ينتج عنه الأثر الذي تتركه ليشمه غيرك من الكلاب والحيوانات فيتبعونك بدون تفكير “أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا- (44)الفرقان – أو يراه من يرتقي فوق ذلك من الناس ويختارون غيره بتفكير. فأنت بدون قيادة للذات حيوان لا فرق بينك وبين الكلب، بل الكلب يرتقي عليك لأنه يتحرك بحاسة قوية نحو الأمان وبعيدا عن الخطر ويرى ما ترى ويسمع ما لا تسمع ( بفطرة فطره الله عليها) وأما أنت فتعمى عن الحقيقة إذا لم تفكر باستبصار في ذاتك المانعة لك من الخير والاحساس الفطري بما حولك. ومن هنا نصل إلى مفهوم التأثر، فأنت أولا تتأثر بالأثر ثم تؤثِر ثم تؤثّر في الغير ومن هنا فقط تستطيع أن تصل للقيادة.
