علاقة السياق المنظومي بتوجيه الفريق

يأتي هذا المقال جزء من أعمال ومتطلبات دارسي برنامج توجيه فرق العمل النيوكارزمية. المقال أدناه بقلم د . يوسف الهنائي Ph.D, MCC

موجّه قيادة وفرق عمل مدرب ومحاضر معتمد تخصص موارد بشرية

توجيه الفريق لا يمكن أن يُبنى فقط على ما يقوله القائد أو ما يظهر داخل الجلسة، بل يجب أن ينطلق من فهم المنظومة كاملة: تاريخ المنظمة، طبيعة الملكية العائلية، مكانة السلطة، الثقافة السائدة، وأنماط التواصل غير المعلنة داخل الفريق. فالسلوك القيادي لا ينشأ بمعزل عن السياق، بل غالبًا يكون استجابة طبيعية لمنظومة تشكلت عبر سنوات طويلة من القيم والعلاقات والتجارب.

مركزية الرئيس التنفيذي ليست مجرد “أسلوب قيادة”، بل هي جزء من نظام أوسع قائم على الهيبة، والحفاظ على السيطرة، وتحمل المسؤولية العائلية والتنظيمية. لذلك فإن الدخول المباشر في مواجهة هذا الأسلوب قد يخلق مقاومة عالية ويهدد الثقة. هنا يظهر دور الموجه في بناء الوعي بدل إصدار الأحكام، وفي مساعدة القائد على رؤية تأثير سلوكه داخل النظام بطريقة توسّع إدراكه دون أن تضعه في موقف دفاعي.

في أحد الأمثلة العملية مع قائد تنفيذي كان يشتكي من ضعف المبادرة لدى فريقه واعتمادهم الكامل عليه، لم أبدأ بسؤاله عن أخطاء الفريق، بل ربطت الحوار بالسياق التنظيمي وطبيعة التفاعل داخل المنظومة. وخلال الجلسات كنت ألاحظ ديناميكيات الفريق بشكل مستمر، مثل تردد الأعضاء قبل الحديث، أو مراقبتهم لردة فعل القائد قبل إبداء الرأي، إضافة إلى الصمت المتكرر عند طرح الأسئلة المفتوحة. هذه المؤشرات أوضحت لي أن مستوى الأمان النفسي داخل الفريق كان منخفضًا، وأن حضور القائد القوي يؤثر بشكل مباشر على مساحة المشاركة والمبادرة لدى الأعضاء.

من الأسئلة التي استخدمتها مع القائد:
ما الذي يتعلمه الفريق بشكل غير مباشر عندما تُتخذ معظم القرارات من خلالك؟
كيف تعتقد أن حضورك في الاجتماعات يؤثر على مستوى الجرأة أو المشاركة لدى الآخرين؟
ما السلوك الذي يكافَأ داخل الفريق حتى وإن لم يكن معلنًا؟
إذا استمر هذا النمط لثلاث سنوات أخرى، كيف سيؤثر ذلك على استقلالية الفريق وعلى استدامة المنظمة؟

هذه الأسئلة لم تكن تهدف إلى إقناع القائد بأنه “مخطئ”، بل إلى استنهاض وعيه بالعلاقات المتبادلة داخل النظام، وكيف أن بعض النتائج التي يشتكي منها قد تكون مرتبطة بطريقة عمل المنظومة نفسها. ومع استمرار الحوار بدأ القائد يلاحظ أن تدخله السريع لحل المشكلات، رغم نيته الإيجابية، كان يضعف ملكية الفريق للمسؤولية ويعزز الاعتماد عليه.

وهنا ظهرت الجدارة السابعة “استنهاض الوعي” بشكل واضح؛ إذ انتقل القائد من رؤية المشكلة باعتبارها “ضعفًا في الفريق” إلى فهم أعمق يعتبر أن الفريق يتفاعل مع نمط قيادي وسياق تنظيمي كامل. هذا التحول في التصور أدى لاحقًا إلى تغيير في المنظور والسلوك؛ حيث بدأ القائد يجرّب مساحات أكبر للتفويض، ويطرح أسئلة بدلاً من إعطاء حلول مباشرة، وأصبح أكثر انتباهاً لتأثير حضوره وسلطته على ديناميكيات الفريق.

إن التفكير المنظومي في التوجيه لا يبحث عن “المذنب”، بل يساعد المستفيد على رؤية الترابط بين السلوك والنتائج والسياق، لأن التغيير الحقيقي لا يحدث عند معالجة الأعراض فقط، بل عند توسيع الوعي بالنظام الذي ينتج تلك الأعراض باستمرار.

هذه التجربة عمّقت لدي القناعة بأن التوجيه الفعّال لا يقتصر على معالجة السلوك الظاهر داخل الفريق، بل يمتد لفهم الأنماط والعلاقات والسياقات التي تُنتج ذلك السلوك بشكل مستمر. كما أصبحت أكثر وعيًا بأهمية خلق الأمان النفسي داخل الجلسات، لأن كثيرًا من الفرق لا تعاني من ضعف الكفاءة بقدر ما تعاني من الخوف أو التردد أو الاعتماد المفرط على السلطة. وقد أدركت من خلال هذه التجربة أن استنهاض الوعي لا يحدث عبر المواجهة أو إعطاء الحلول المباشرة، بل من خلال أسئلة عميقة تساعد المستفيد على رؤية المنظومة بصورة أوسع وأكثر وضوحًا. وعندما يتغير وعي القائد أو الفريق، يبدأ السلوك بالتغير بشكل طبيعي وأكثر استدامة.

اترك تعليقاً

Shopping cart

0
image/svg+xml

No products in the cart.

Continue Shopping