من أكثر الأفكار التي أثّرت فيّ فكرة أن الفريق ليس مجموعة أفراد يعملون معًا فقط، بل كيان حيّ له ثقافة وأنماط وعادات مشتركة. هذه الفكرة جعلتني أراجع الكثير من تدخلاتي السابقة، خاصة عندما كنت أميل أحيانًا إلى مساعدة الأفراد بشكل منفصل داخل الجلسة بدلاً من إعادة التركيز على وعي الفريق بنفسه كنظام مترابط. بدأت ألاحظ أن بعض المشكلات التي تظهر على شخص واحد قد تكون في الحقيقة انعكاسًا لديناميكية كاملة داخل الفريق.
في إحدى التجارب العملية التي مررت بها مع فريق قيادي، كان القائد يشتكي باستمرار من ضعف المبادرة وتحمل المسؤولية لدى أعضاء الفريق. في البداية كان واضحًا أن القائد مقتنع أن المشكلة تكمن في الفريق نفسه. لكن أثناء الجلسات، ومن خلال الملاحظة والأسئلة، بدأت ألاحظ أن الفريق أصبح يعتمد بشكل كامل على القائد لأنه يتدخل سريعًا في كل قرار تقريبًا. هنا أدركت أهمية التفكير المنظومي وعدم الانحياز للرواية الأولى التي تُطرح أمام الموجّه.
بدلاً من مواجهة القائد أو إقناعه بشكل مباشر، حاولت استخدام أسئلة تستنهض الوعي مثل: “ما الذي يتعلمه الفريق عندما تُحل معظم القضايا عن طريقك؟” و “كيف يؤثر حضورك القوي في الاجتماعات على مساحة التفكير لدى الآخرين؟”. لاحظت أن هذه الأسئلة ساعدته على رؤية العلاقة بين سلوكه الحالي والنتائج التي يشتكي منها. ومع الوقت بدأ يتحول من التركيز على “ضعف الفريق” إلى ملاحظة أثر المنظومة القيادية نفسها.
ما تعلّمته بعمق من هذه الدروس هو أن التوجيه الحقيقي لا يقوم على إعطاء الحلول أو إظهار أخطاء الآخرين، بل على توسيع الإدراك. عندما يتوسع وعي القائد أو الفريق، تبدأ التصورات بالتغير، وبعدها يصبح التغيير السلوكي أكثر استدامة وطبيعية. كما أدركت أن الحياد في توجيه الفرق لا يعني الصمت، بل يعني القدرة على رؤية جميع الأطراف والسياقات دون انحياز.
كذلك أصبحت أكثر وعيًا بأهمية الأمان النفسي داخل الفرق، لأن كثيرًا من الفرق تبدو “متوافقة” ظاهريًا بينما في العمق يسودها الخوف أو المجاملة أو تجنب المواجهة. وأصبحت أرى أن من أهم أدوار الموجّه خلق مساحة تسمح بظهور الحقيقة الجماعية بطريقة آمنة ومحترمة.
هذه الدروس جعلتني أكثر هدوءًا وثقة في إدارة الجلسات، وأكثر احترامًا لتعقيد الأنظمة البشرية. كما جعلتني أؤمن أن التغيير العميق لا يحدث عندما نحاول إصلاح الأشخاص، بل عندما نساعدهم على رؤية النظام الذي يصنع سلوكهم ونتائجهم بصورة أوضح.
ومثال على ذلك اذكر في إحدى الجلسات لاحظت أن أحد الأعضاء كان يكرر الاعتذار قبل طرح أي رأي، بينما كان بقية الفريق ينظرون مباشرة إلى القائد بعد كل مداخلة وكأنهم ينتظرون الموافقة الضمنية. سابقًا ربما كنت سأركز على تشجيع هذا العضو على الثقة بنفسه، لكن بعد فهمي الأعمق للديناميكيات المنظومية بدأت أرى أن المشكلة ليست فردية بالكامل، بل مرتبطة بثقافة الفريق وعلاقته بالسلطة ومساحة الأمان النفسي داخله. هذا الوعي غيّر طريقة تدخلي؛ فأصبحت أعمل على رفع وعي الفريق بالنمط الجماعي نفسه بدل معالجة السلوك الفردي بشكل معزول.
بقلم: د. يوسف الهنائي Ph.D, MCC
موجّه قيادة وفرق عمل مدرب ومحاضر معتمد تخصص موارد بشرية
هذا المقال هو جزء من مخرجات البرنامج التدريبي في توجيه فرق العمل النيوكارزمية
