دعاني لكتابة هذا المقال انغماسي في الاشراف الاكلينيكي والاستشراف التوجيهي من خلال نظريات التطور والنمو الإنساني لكل من المستفيد والممارس في علوم المساعدة. ولكن حركني بالدرجة الأولى لقاء مجتمع الممارسة بالأمس والذي تحاورنا فيه حول الضبابية في القيادة والفريق: كيف نتناولها ونفهم أسبابها وماهي الأدوات الموظفة للتحرك إلى مساحة الرؤية الواضحة. شكرا للمشاركين في المجتمع من قادة وموجهين وأتطلع للقاء آخر ثري. إليكم مقالي القصير.
تعددت طرق تناول الانسان وجوانبه المتعددة في عالم التنمية البشرية والتطوير القيادي ومؤخرا تطوير ونمو الممارس في العلوم المساعدة من خلال الاستشراف التوجيهي. ومعظم هذه الاتجاهات يرى الانسان من زاوية السلوك المعرفي حيث يعالج عاداته وسلوكياته وتواصله مع الآخرين بشكل مبسط وكأن الجميع باختلاف منشأهم التربوي، ومنابعهم الثقافية، وشخصياتهم المميزة، عجينة يمكن قولبتها في قالب أو نموذج تعلمه الممارس وبدأ في محاولة تشكيل الانسان الذي أمامه في هذا القالب. يفتقر هذا التصور لنظرة شمولية للإنسان وحياته الممتدة والتي تسبق التدخل الذي يقوم به الممارس وتتبعه لعمر طويل وسنوات عديدة. وكأن التدخل هو بقعة في ثوب ملون ذا أنساق متداخلة صعب التعرف عليها من قرب وبخاصة من الممارس حديث التجربة في عالم المساعدة للإنسان.
وهذا يقودني لوصف المساحة الإنسانية لشخص ما والتي يشغلها في أحداث الحياة. تلك المساحة التي لا يعرفها حتى من يعيش معه من شريك حياة، أو والد، أو أخ، أو صديق. فكل من هؤلاء الأشخاص يرى جوانب من هذه المساحة الجغرافية الواسعة ويخفى عليه في طبقاتها المتعددة ما تحت السطح من تراكمات وتجارب وخبرات ومعارف، ويعجز عن قراءة المستقبل حتما. ولذا نحتاج إلى رؤية مختلفة للإنسان المستفيد من خدمة المساعدة أيا كان نوعها بحيث يتمكن الممارس من الالتقاء معه في لحظته الحالية وليس في جانب مضى أو مستقبل غامض. لحظته الحالية هي سر التنوع والشمولية التي يتحدث عنها الكثير ففيها يقع الكشف عن الغطاء من قبل المستفيد إذا شعر بحضور واهتمام الممارس بكله وليس فقط من زاوية الخبرة، أو المنصب، أو الشهادات، أو أي صورة، أو قناع يظهر به المساعد في هذه العلاقة. اهتمام الممارس الكلي ليس وجها معينا أو طريقة حديث، بل هو التقاء يتطلب كشف الغطاء أيضا والتجلي مع الآخر لحقيقة الموقع الذي التقيا فيه ووصف الحالة التي يعيشها كل منهما في الموقع. وقبل ذلك الوصول للموقع المساحي عبر التضاريس المتنوعة التي تحيط بكل منهما. يتطلب التجهيز الكامل والقوي من الممارس للالتقاء بالإنسان متعدد الجوانب والطبقات والتضاريس المساحية. عندما ننظر للمساعدة الإنسانية في ظل التصور الشمولي لخط الحياة الخاص بالإنسان وتميزه عن غيره يحدث داخلنا التغيير في طريقة التناول والمعالجة لما يتم طرحه ومن هنا يصبح التدخل ذا معنى.
ويرى لاكس[1] في ابحاثه حول نظرية التطور أن المساحة التي يحتلها الانسان لها جزءان، الأول تواجدي[2] يعبر عن تجربة حقيقية فريدة من نوعها تحدث لكائن حي يتطور ويتغير ويتحول في مسار حياته الخاص، والثاني فاعلي[3] حر متعمد لتغيير أو تحول أو تطوير لمساره. ويرى أن التفاعل بين الجزئين مستمر في حالة المستفيد وفي حالة الممارس المقدم للخدمة التوجيهية[4]. وأن الالتقاء بالمستفيد في المساحة الحالية في نقطة ما من خريطة تواجده في الحياة تتطلب التعرف على التواجد وبالتالي يسهل رسم الجزء الفاعل في خطة التوجيه أو أسلوبه. ويرى أن التواجد الخاص بالموجّه على درجة من الأهمية لكي يسمح له بالتحرك الفاعل مع المستفيد ومع ذاته وهو يقدم هذه المساندة.
ما يهمني في هذا الطرح العميق في هذه اللحظة وأنا أكتب للقارئ الممارس المتخصص هو فكرة مهمة واساسية في التقاء جوانب الانسان في المساحة الواقعية التواجدية وهي (1) الجانب الاجتماعي والمشاعر[5] والمعبر عن علاقات الانسان وتفاعله معها على مختلف المستويات، (2) الجانب المعرفي[6] الذي يتجسد في العلوم والمعارف والخبرات التي تسهم في تكوين الاتجاهات النفسية والمعتقدات والقيم الداخلية لهذا الانسان، (3) الجانب النفسي[7]ويتعلق بالاستجابات الداخلية والطريقة التي يتناول بها ذاته والآخرين والعالم من حوله، وأحب أن أضيف على النظرية من جانب علم النفس الإسلامي: (4) الجانب الروحي والعلاقة الغيبية بخالقه وسبب وجوده في الحياة والتي تلعب دورا في تنظيمه. هناك جانب خامس يهمنا في معادلة تناول الانسان الشمولية التطويرية وهو(5) جانب الجسد واحتياجاته والتي تشغل جزءا كبيرا من وقته وحياته على الأرض وتلعب دورا في توازن الأربعة السابقة.
وتعتبر نظرية التطور الإنساني أن النمو الجوهري يحدث في داخل الانسان من خلال تفاعل الجوانب الثلاث واضف عليها الرابع في ثقافتنا الإسلامية. ومن خلال هذا التفاعل يحدث ما يسمى بالحوار الداخلي للإنسان. والحوار الداخلي هو حالة وعي عالية تتنوع في حصولها وحدوثها من شخص لآخر. ولكن يسعى الموجهة الممارس أولا لممارستها مع ذاته لينمو بدوره وينمذج للمستفيد كيف يلاحظ هذا الحوار ويتعرف عليه ويعيد توجيه أفكاره ومشاعره بشكل يسمح له بالنمو المستمر في مواقع عديدة وبحيث تكون جلسته مع الممارس الموجه في التواجد العالي في الموقع في مساره الحياتي الشامل وبحيث يختار الفاعلية ليحدث التحول المطلوب والأهم النمو والتطور الذاتي لكل منهما.
[1] Otto E. Laske (1999), An Integrated Model of Developmental Coaching. Consulting Psychology Journal 51(3), 1999, pp. 139-159.
[2] Ontic
[3] Agentic
[4] Coaching
[5] Social-Emotional Development (ED)
[6] Cognitive Development (CD)
[7] Psychological (NP)
